جزيرة المارتنيك
جزيرة المارتنيك
إحدى الجزر الأستوائية ذات التاريخ الرومانتيكي الذي يجمع بين القرصنة والأعمال الحربية الباهرة والحياة الناعمة، كذلك فهي مسقط رأس جوزفين زوجة الأمبراطور نابليون
الموقع
تقع جزيرة المارتنيك على مسافة تبعد حوالي 650 كيلو متراً جنوب بورتو ريكو، ويبلغ طولها 70 كيلو متراً واتساعها 30 كيلو متر، وهي زاخرة بالجبال والغابات، "مونت بيليه" أعلى قمة بركانية في الجزيرة، إذ ترتفع عن البحر حوالي 1350 متراً، وتسيطر على الطرف الشمالي للجزيرة بأسره ..
وفي
عام 1902، كانت مدينة "سان بيير" تستقر عند سفح جبل مونت بيليه على
الشاطئ الغربي للبحر الكاريبي. وكانت أكثر مدن الجزيرة إزدحاماً بالسكان. وقد
وصفها الكاتب "لانكاديو هيرن" بأنها (أظرف وأروع وأجمل مدينة صغيرة في
مجموعة جزر الانتيل) وقد استعمر الفرنسيون الجزيرة منذ أجيال بعيدة حتى أصبحت
المدينة فرنسية في روحها وعاداتها .. كانت هناك كنائس وكاتدرائيات ومسارح وأندية
ومقاه وقاعات للرقص، وبنوك وأديرة، ومدارس ابتدائية وثانوية وكليات ومعامل لتقطير
الخمور .. وكان هناك بطبيعة الحال الجبل، والبركان الكامن في قمة مونت بيليه على
مسافة 8 كيلو مترات شمالاً فقط.
وكان
سكان "سان بيير" يعاملون البركان بكبرياء كما يعامل الإنسان شيئاً
يمتلكه، وكانه حيوان مدلل أو أسد أليف .. وقد حدث بعض نشاط طفيف في البركان خلال
القرن الثامن عشر، ولاسيما في عام 1851 حيث لا يزال الكهول يذكرون ثورته غير
المؤذية التي حدثت في ذلك التاريخ، ولكن نيران الجبل الطبيعية كان مفترضاً أنها
هدأت .. وكانت قمة الجبل المنبسطة التي تكللها السحب خير مكان للنزهات، وعندما
لاحظ بعض المتنزهين على مقربة من قمة مونت بيليه في أبريل 1902 بعض الأبخرة
الكبريتية الطفيفة المتصاعدة من الفوهة، لم يلق إليها أحد اهتماماً ...
وفي
يوم 23 أبريل، تساقط رذاذ خفيف من الجمرات على السفوح الجنوبية والغربية للجبل،
وأحس الناس بهزات عنيفة في باطن الأرض .. وبعد يومين، روعت "سان بيير"
بمشهد البركان الثائر وهو يقذف الصخور والرماد من فوهته إلى أعلى ... وتسلق فريق
من المتنزهين القمة، فوجدوا أن في باطن الفوهة وعلى عمق بعيد أطواتاً تغلى كما
يغلى الماء في بطن القدر .. ومع ذلك فإن السلطات العامة في الجزيرة لم تجد هناك ما
يدعو للقلق!
وفي
أواخر أبريل كتبت زوجة القنصل الأمريكي في سان بيير إلى أختها التي تقيم في
"ميلروز" بولاية ماساشوستس تقول: "إن المدينة يكسوها الرماد، وقد
أصبحت رائحة الكبريت من القوة بحيث راحت الجياد تتوقف في الطريق، وتنخر بأنوفها،
وقد اضطر كثيرون من الناس إلى وضع مناديل مبللة على وجوههم لحمايتها من الأبخرة
القوية، ويؤكد زوجي أنه ليس هناك خطر عاجل الآن، وأنه إذا كان هناك خطر فسوف
نرحل".
وفي
الأيام التالية ازدادت أصوات الاضطراب والقرقعة سوءاً، وتساقط رماد أبيض غمر سان
بيير كأنه غطاء من الجليد، وبدأ الناس يتناقشون علناً في موضوع ترك المدينة، ولكن
احداً لم تكن لديه عزيمة كافية للرحيل .. وقد كتبت سيدة أستبد بها القلق إلى أخيها
في مرسيليا تقول: "أكتب إليك في ظل أكثر الانطباعات كآبة، وأرجو أن أكون مبالغة
في تقدير الموقف، ومع أن زوجي يسخر مني، إلا أنني أستطيع أن أرى القلق يملأ روحه
.. انه يقول لي إرحلي، ولكن كيف أستطيع أن أرحل بمفردي؟ إن الحرارة خانقة، ونحن لا
يمكننا أن نترك أي شيء مفتوحاً، فالغبار ينفذ إلى كل مكان ليحرق وجوهنا وعيوننا،
وقد أصاب كل الحاصلات بالتلف".
وكتب
شخص آخر من المقيمين في المدينة في رسالة بنفس البريد: "الهواء لا يحتمل.
الأنوف تحترق .. ترى هل سنموت مختنقين؟ .. ماذا يخبئ لنا الغد؟ .. سيل آخر من
الحمم وأمطار من الأحجار، أم خلاص من البحر؟ .. من يدري؟ ستكون أنت آخر من أفكر
فيه إذا قدر لي أن أموت" ..
ورسالة
ثالثة، تحمل تاريخ نفس اليوم – يوم الأحد – إلى قريب في فرنسا، ختمها كاتبها بهذه
العبارات التي تكشف عن استسلام لحكم القدر .. قال: "إن هدوئي يثير دهشتي ..
إنني أنتظر الموت في هدوء .. إذا كان الموت ينتظرنا، فسيكون معنا صحاب كثيرون عند
الرحيل عن الدنيا .. ترى هل يحدث ذلك حرقاً أو إختناقا؟ .. فليفعل الله ما يشاء ..
أبلغ روبرت أننا ما زلنا أحياء، وقد لا يكون هذا حقيقياً، عندما تصلك رسالتي
هذه" ...
وفي
يوم الأربعاء 7 مايو، ثار القلق من جديد .. ففي الرابعة صباحاً بدأت قمة مونت
بيليه تزمجر وتهدر، وظهر وميض يتوهج حول القمة بلا انقطاع ... كانت هناك فوهتان
تتوهجان كالتنور الملتهب، وبدأ مع ضوء النهار مشهد يثير الأسى .. كان البحر الكاريبي
إلى آخر مرمى البصر تغطيه الأنقاض التي تساقطت من مرتفعات البركان وسط سيول سوداء،
وكانت الأسماك الميتة تملأ الشاطئ.
وفي
سان بيير، ظل الناس على مسلكهم المتردد المستسلم لحكم القضاء ... أيهربون؟ .. ولكن
أين يمكن أن يجد الإنسان حالاً أفضل مما في سان بيير؟ وأرسل بعض الرجال نساءهم
بعيداً، فجاءت بدلهم سيول تتدفق من أهل الريف الذين أصابهم الذعر .. وعين الحاكم
موتيه لجنة من الخبراء لدراسة الموقف، فقالت اللجنة: إن نشاط البركان لم يصل بعد
إلى الحد الذي يبرر الجلاء الشامل عن البلدة، وكان موتيه نفسه يجلس في البلدة مع
زوجته ينتظران ما سيأتي به الغد، وكان الغد هو "يوم القيامة" حيث تقام
صلوات خاصة في الكنائس، ويرتل الناس دعاء خاصاً للخلاص ..
وأقبل
"يوم القيامة" وقد صفت سماؤه وسطعت شمسه .. وامتلأ هواء المدينة بذبذبات
دقات أجراس الكنائس .. وفوق المرتفعات الغريبة، وقف سكان الضواحي – بعد ليلة لم
يغمض لهم فيها جفن – يرقبون استعراض الألعاب النارية الذي يقوم به الجبل .. وعلى
مقربة من الشاطئ، على مسافة حوالي 13 كيلو متراً إلى الغرب – كانت سفينة الإصلاح "بوييه
كارتييه" تعمل في إصلاح سلك تليفوني مقطوع تحت الماء.
وفي
مكتب بريد "سان بيير" ختم موظف التلغراف نوبة عمله الليلي بإرسال آخر
الأنباء الرسمية عن البركان، فلم يذكر أية تطورات جديدة هامة .. وشرع موظف
التلغراف في بلدة "فور دي فرانس" يرسل رده .. وكانت عقارب الساعة
المعلقة على جدران مستشفى سان بيير العسكري تشير إلى السابعة والدقيقة الثانية
والخمسين عندما توقف موظف تلغراف فور دي فرانس عن العمل.
لقد
دق موظف تلغراف سان بيير إشارة البدء، ولكن الخط ظل صامتاً .. وفي تلك اللحظة ..
ماتت مدينة سان بيير!
في
السابعة و 52 دقيقة، شاهد بحارة السفينة "بوييه كارتييه" الجانب الأعلى
من الجبل المواجه للجنوب يتفتح فجأة، وانطلق من الفوهة بخار أسود كثيف، كأنه
الدخان المنبعث من فوهة الموقع .. وبعد لحظات قليلة، مزق الهواء انفجار هائل،
وشاهد البحارة سحابة سوداء ثانية تنطلق في دوائر حلزونية ضخمة، وهي ترتفع إلى أعلى
على هيئة عش الغراب، فتغطى السماء كلها بسرعة بمظلة من الظلام ... وكانت السحابتان
تنطلقان معاً .. وبسرعة لا تصدق.
كانت
السحابة الأفقية تنطلق مسرعة نحو سفح الجبل في صوت يصم الآذان، وهي تتعثر مرة بعد
أخرى في طريقها إلى المدينة ... وبدأ كأنها تمسك بالأرض، وكانت تتساقط إلى الأمام
وكأنها مكونة من مادة ثقيلة، وراحت تندفع بعنف، والجزء الأمامي منها ينفث هبات من
الدخان، كأنها أسود تقفز في الهواء .. وفي بعض الأحيان كانت السيول المتدفقة
تتوهج، بينما كانت شرارات كالبرق، وانفجارات ملتهبة تومض في أعماقها ..
وفي
أقل من دقيقة واحدة بلغت السحابة الطرف الشمالي لسان بيير .. وأخذت تمتد على طول
المدينة الذي يبلغ ثلاثة كيلو مترات، كانها غطاء من الهباب الأسود، لوث كل شيء ...
وكان كل شيء تلمسه تشتعل فيه النيران. وعلى رصيف الميناء، انفجرت ألوف من براميل
الخمر في صوت مدو .. وأصبحت المدينة كلها أتونا كبيراً تشتعل فيه النيران التي
تختفي تحت بساط من الدخان والغبار الكثيف!
وانقلبت
السفن الموجودة في المرفأ ثم غرقت .. واشتعلت النيران في هياكلها، فلم يبق طافياً
غير سفينتين فقطن هما (روريما) و (رودام)، وإن كانت الصاريات والمداخن والقوارب
الصغيرة قد انجرفت من الأولى واشتعلت فوقها كثير من الحرائق، ومالت الثانية، حتى
تدفقت المياه على حواجز جانبها الأيسر، وقطعت سلسلة الارساء واندفعت السفينة إلى
اليمين في بطء والنار تلفحها، وقد اشتعلت الحرائق في مقدمتها ومؤخرتها .. وعلى
مسافة 13 كيلو متراً من الساحل أحست السفينة "بوييه كارتييه" بلفح
الحرارة، وأخذت الأحجار الحمراء الساخنة والرماد يتساقط على سطحها، فانطلق
الملاحون بالسفينة إلى عرض البحر في فزع.
وكان
هناك شاهد يرقب هذا الحدث العنيف من الجانب الأرضي، هو روجيه آرنو العالم المحنك
وعضو الفلكية الفرنسية، الذي يقف في حديقة بيته الريفي فوق تل مرتفع على مسافة
ثلاثة كيلو مترات شرقي سان بيير .. فقد رأى روجيه فجأة سحابتين من الأبخرة تنبثقان
من الجبل، أحداهما عمودية وصلت إلى ارتفاع 11 كيلو متراً على الأقل، والأخرى
جانبية اتجهت نحو سان بيير واستقرت فوقها مباشرة!
وفي
نفس اللحظة التي انبثقت فيها السحابتان، سمع العالم الفرنسي صوتاً عالياً لشيء
يسقط بصورة مذهلة .. صوتاً طاحناً جباراً – وصف شاهد آخر بأنه خيل إليه أن كل آلات
العالم قد تحطمت مرة واحدة، وقدر آرنو الوقت الذي استغرقه مرور سحابة الموت من
البركان إلى البحر – وتبلغ المسافة بينهما 8 كيلو مترات – أنه لا يزيد على ثلاث
ثوان!
وظلت
بقية الجزيرة تجهل الصورة الكاملة للكارثة المفزعة بضع ساعات ... ولما لم ترد آية
كلمة من سان بيير في ذلك الصباح، فقد أمر نائب الحاكم في (فور دي فرانس) الطرادة
"سوشيه" بالتوجه للتحقق من الأمر .. ووصلت السفينة الحربية على مقربة من
المدينة المحترقة في الساعة 12 ونصف ظهراً ... ودل الكشف من خلال العدسات الكبيرة
القوية على أنه ليس هناك أحد من الأحياء في المدينة! وعجزت الجماعات التي أرادت
النزول إلى المدينة عن الاقتراب منها بسبب الحرارة العنيفة .. وظلت تنتظر حتى
الساعة الثالثة بعد الظهر، عندما هبط قائد الطرادة في ميدان "بيرتان"
الذي كان في يوم ما ميداناً بهيجاً في وسط المدينة تظلله الأشجار وتنتشر فيه
المقاهي .. ولم يجد القائد شجرة واحدة تقف على الأرض .. كانت هناك جذوع عارية
محترقة، ملقاة على الأرض وقد اقتلعت من جذورها .. وكانت الشوارع مكدسة بجثث الموتى،
وكانت الرائحة الكريهة، والنيران المشتعلة، تحول دون إجراء أي استكشاف آخر للأنقاض
المحترقة ..
وعلى
مقربة من الشاطئ، كانت هياكل السفن الغارقة، لا تزال الحرائق مشتعلة فيها، وقد
استطاع ربان السفينة "برودام" أن يظل ممسكاً بعجلة القيادة بيدين احترق لحمهما
حتى تمكن من الوصول بالسفينة إلى ميناء كاستري، الذي يقع في جزيرة "سانتا لوتشيا"
القريبة، وقد دهش موظفو الميناء عندما صعدوا إلى ظهر السفينة التي أحرقتها النيران
وغطاها الرماد .. فوجدوا 22 رجلاً من القتلى أو الذين يحتضرون ... وقال ربان
السفينة وهو يلهث: "لقد جئنا من جهنم" ..
أما
في سان بيير نفسها، فلم يعثر بين سكانها وعددهم 30 ألفاً إلا على 3 فقط من
الأحياء، مات اثنان منهم سريعاً متأثرين بإصابتهما .. فقد سار "ليون كوليبر
ليانور" الذي يبلغ الثانية والعشرين نحو "فونو سان دنيس" الضاحية
التي تقع شرقي المدينة، وهناك توفى بعد قليل، كما أخرجت خادم من بين الأنقاض وهي
تتنفس بصعوبة، حتى أنهى الموت آلامها بعد فترة قصيرة.
وبقى
بعد الكارثة مخلوق واحد على قيد الحياة .. هو "أوجست سيلباربس" الذي
يبلغ الخامسة والعشرين، وكان أوجست سجيناً في سجن سان بيير، وقد أغلقت عليه
الأبواب في جب تحت الأرض، ليس له نوافذ، ولا ينفذ إليه الهواء إلا من فتحة ضيقة في
الباب في الجانب البعيد عن البركان .. وبعد الكارثة بثلاثة أيام، سمع عمال الإنقاذ
أنينه فحفروا الأرض وأخرجوه .. وقد أصيب بحروق شديدة .. ولكنه عاش!
كانت
المساحة التي شملها التخريب تزيد على 21 كيلو متراً مربعاً، ولكن البركان ركز
غضبته على سان بيير وكانها هدفه الذي حدده لنفسه من قبل .. ففي داخل هذه المنطقة،
كان الفناء الذي شمل الأرواح والممتلكات يكاد يكون تاماً. وفي خارج المنطقة، كانت
هناك منطقة أخرى محددة بوضوح، اختفت منها الحياة. ولكن الخسائر المادية كانت أقل
.. وخلف هذه المنطقة، يقع قطاع آخر، احترقت فيه النباتات والأشجار، وإن كانت
الأرواح قد ظلت سليمة ..
وكان
هناك آثار كثيرة ثتير التساؤل .. فالأشياء القابلة للكسر أو الإحتراق، ظلت في أكثر
الأحيان سليمة لم يسمها ضر، مع أن الأشياء الصلبة القريبة منها قد ذابت، أو تحطمت
تماماً .. كان هناك منديل من نسيج رقيق لا يزال باقياً في يد سيدة انتزعت الثياب
من حول جسمها .. وكانت هناك ورقة صغيرة مكتوبة، وماء لا يزال عذباً في إناء زجاجي
لم يتبخر، وأقداح نبيذ شوهت النيران شكلها، بينما بقيت طاساتها الرقيقة دون أن
يمسها شيء .. وأربطة زاهية للعنق، وعيدان ثقاب لا تزال صالحة للاستعمال .
هذه
وغيرها من الأشياء ظلت سليمة، مع إنها استخرجت من بين الأنقاض في أماكن صهرت
النيران أسرار شرفاتها المعدنية!
وانتهى
الباحثون إلى أن سبب الوفاة بصفة عامة هو الحرارة الشديدة التي ربما وصلت إلى 1100
درجة مئوية، وقد صاحبتها الغازات القاتلة والغبار المتفجر المتوهج ... وكان كثير
من الضحايا يجلسون بلا اكتراث، ملامحهم هادئة، وأعصابهم مسترخية، وكأن الموت قد
أخذههم بغتة بلا ألم ... وكانت ثياب كل الضحايا الذين فاجأتهم الكارثة بعيداً عن
دورهم ممزقة كما يحدث للناس عند مرور إعصار شديد، أما الجدران التي تصدعت وكان
سمكها يتراوح بين 90 و 120 سنتيمتراً، فقد كان السبب في تصدعها هو سرعة سحابة
الموت التي كانت تنطلق أسرع من الإعصار ...
ولم
يقدر لسان بيير أن تبعث من جديد .. فالمدن المخربة يعيد بناءها الأحياء من
أبنائها، أما سان بيير، فلم يبق منهم غير شخص واحد

تعليقات
إرسال تعليق